تطرح نورهان حفظي، الباحثة والصحفية، تساؤلًا حول قدرة المصالح الاقتصادية المشتركة على احتواء الصراع بين مصر وإسرائيل، وما إذا كانت تجارة الغاز قادرة على خفض احتمالات المواجهة أو أنها لا تفعل سوى تأجيلها.
وتنطلق الكاتبة من تجربة العلاقات الألمانية الروسية في مجال الطاقة، لتبحث في كيفية خلق اتفاق الغاز اعتمادًا متبادلًا بين القاهرة وتل أبيب، والحفاظ على قنوات التعاون مفتوحة، ورفع تكلفة الصراع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق سلام مستدام.
ونشرت مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، عبر مجلة «صدى» التابعة لبرنامج الشرق الأوسط، هذا التحليل موضحة أن اتفاق الغاز المصري الإسرائيلي يأتي في ظل توترات سياسية وأمنية حادة بين البلدين وفي سياق إقليمي مضطرب أعقب هجمات السابع من أكتوبر والحرب الإسرائيلية على غزة.
وتبحث الدراسة ما إذا كانت الروابط الاقتصادية قادرة على منع التصعيد، أم أنها قد تجعل فك الارتباط مستقبلًا أكثر كلفة.
اتفاق غاز جديد وسط توترات سياسية وأمنية متصاعدة
أعلنت إسرائيل ومصر في ديسمبر 2025 توقيع اتفاق جديد للغاز وسّع بصورة كبيرة الاتفاق القائم بينهما منذ عام 2018، ومدد العمل به حتى عام 2040. كما أعاد البلدان رسميًا اعتماد تعديلات مذكرة التفاهم الثلاثية التي وقعتها مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي عام 2022، والتي تقضي بزيادة صادرات الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى مصر، حيث يجري تسييل الغاز في منشآت الغاز الطبيعي المسال المصرية ثم إعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية.
وجاء التصديق الرسمي على هذه الاتفاقات في ظل تدهور حاد للعلاقات السياسية والأمنية بين مصر وإسرائيل، بالتزامن مع حالة عدم استقرار إقليمية أوسع أعقبت هجمات السابع من أكتوبر والحرب التي اندلعت في غزة.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن الاتفاق سيعزز بصورة كبيرة قنوات الاتصال والعلاقات الاستراتيجية مع الدول المجاورة، وسيسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي، مؤكدًا أن إسرائيل وافقت عليه بعد ضمان مصالحها الأمنية الحيوية.
أما على الجانب المصري، فوصف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان تصريحات نتنياهو بأنها رسائل سياسية تهدف إلى تخفيف حدة العزلة الدولية التي تواجهها إسرائيل بسبب حربها على غزة. واعتبر رشوان الاتفاق «صفقة تجارية بحتة» من شأنها تعزيز مكانة مصر باعتبارها مركزًا إقليميًا لتجارة الغاز الطبيعي.
لكن الاتفاق لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق السياسي والأمني الإقليمي والدولي الأوسع الذي أُبرم في ظله. وتبرز ثلاثة عوامل رئيسية في هذا السياق.
يتمثل العامل الأول في إبرام الاتفاق رغم التدهور الكبير الذي أصاب العلاقات السياسية والأمنية المصرية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر. ويرتبط العامل الثاني بتداخل التعاون المصري الإسرائيلي في مجال الغاز مع المصالح الأوروبية المتعلقة بتأمين إمدادات الغاز الطبيعي المسال. ولا تقتصر مصلحة أوروبا على الحصول على كميات إضافية من الغاز، بل تمتد إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في ظل المخاوف المتعلقة بالهجرة غير النظامية واستقرار مصر ومنطقة جنوب البحر المتوسط.
أما العامل الثالث، فيتعلق بالمصالح التجارية الكبيرة لشركات الطاقة الأمريكية والأوروبية في حقول الغاز والبنية التحتية اللوجستية المرتبطة بالاتفاق. ويخلق الحفاظ على هذه الاستثمارات حافزًا إضافيًا للإبقاء على تدفقات الغاز وحماية البنية التحتية التي تعتمد عليها.
ولا تشكل هذه العلاقة المتشابكة بين المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية ظاهرة غير مسبوقة. فقد سعت دول في حالات سابقة إلى إبرام اتفاقات تجارية ليس لتحقيق مكاسب مالية فحسب، وإنما أيضًا لاستخدامها أدوات لاحتواء الصراعات المتصاعدة أو الحد من تداعياتها.
ويرتبط هذا النهج في العلوم السياسية بمفهوم «التغيير عبر التجارة» أو Wandel durch Handel، الذي يستند إلى مقاربات ليبرالية مثل نظرية السلام التجاري ونظرية الاعتماد المتبادل. وتفترض هذه الرؤى أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين أطراف قد تدخل في صراع يخلق حوافز لحماية المصالح الاقتصادية المشتركة، وخفض التوترات، والحفاظ على السلام.
وأدرجت ألمانيا هذا المنطق بصورة استراتيجية في سياستها الخارجية، خصوصًا في علاقاتها مع روسيا قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا. كما أثّر منطق مشابه في جوانب من السياسة الخارجية الأمريكية تجاه صراعات ممتدة، بدا فيها التوصل إلى تسوية سياسية حاسمة أمرًا بعيد المنال.
ويمثل الصراع العربي الإسرائيلي إحدى الحالات التي اعتُبرت فيها إدارة الصراع أحيانًا المسار الوحيد الممكن. كما قدمت اتفاقات أبراهام مثالًا آخر على هذا النهج، إذ ربطت التعاون الاقتصادي في قطاعات استراتيجية، من بينها الطاقة والتكنولوجيا، باعتباره محفزًا للتعاون السياسي والأمني والاستقرار.
وتعكس تصريحات توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ورجل الأعمال المقرب من الرئيس دونالد ترامب، المنظور ذاته. فقد رأى باراك أن بعض صراعات الشرق الأوسط قد لا تصل إلى نهاية حاسمة، وأن الاستقرار قد يعتمد بدلًا من ذلك على خلق مصالح مشتركة وتعزيز الروابط الاقتصادية بين أطراف النزاع.
لكن السؤال الذي تطرحه التجربة هو: ما حدود التغيير الذي تستطيع المصالح الاقتصادية المشتركة إحداثه؟ وهل يستطيع الاعتماد الاقتصادي المتبادل خفض احتمالات الصراع والمساهمة في تحقيق سلام مستدام، أم أنه يتحول في النهاية إلى مغامرة لا تقتصر مخاطرها على المصالح السياسية والأمنية، بل تمتد أيضًا إلى الاستقرار الاقتصادي؟
تجربة الغاز الألماني الروسي تكشف حدود «التغيير عبر التجارة»
بدأت ألمانيا الغربية خلال سبعينيات القرن الماضي في إدماج نهج «التغيير عبر التجارة» في سياستها الخارجية، عندما سعى المستشار الألماني فيلي برانت إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع الكتلة الشيوعية في الشرق، بما شمل الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية وألمانيا الشرقية.
وجاء هذا النهج جزءًا من استراتيجية أوسع للتطبيع السياسي عُرفت باسم Neue Ostpolitik، أو «السياسة الشرقية الجديدة»، والتي استهدفت خفض التوترات وتعزيز الانخراط مع الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية.
وفي إطار تنفيذ هذه السياسة، وقع برانت عدة معاهدات سياسية مع دول الكتلة الشرقية، كما أبرم عام 1970 اتفاق «الغاز مقابل الأنابيب» مع الاتحاد السوفيتي. وأسس الاتفاق لاعتماد متبادل في مجال الطاقة، إذ وافقت ألمانيا الغربية على تمويل وتصنيع الأنابيب الفولاذية اللازمة لنقل الغاز السوفيتي، وهي تكنولوجيا لم يكن الاتحاد السوفيتي يمتلكها في ذلك الوقت، مقابل الحصول على إمدادات طويلة الأجل من الغاز تساعد موسكو على الوفاء بالالتزامات المالية المرتبطة بالاتفاق.
واتبعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لاحقًا استراتيجية مشابهة، إذ عمقت حكومتها الروابط الاقتصادية والطاقة مع روسيا، ما أدى إلى تزايد اعتماد ألمانيا على الغاز الروسي.
وخلال فترة حكم ميركل، اكتمل تشغيل خط «نورد ستريم 1»، الذي أتاح نقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، متجاوزًا دول العبور التقليدية مثل أوكرانيا. وتعزز هذا النهج عام 2015 عندما أيدت الحكومة الألمانية إنشاء خط «نورد ستريم 2»، بما وسّع البنية التحتية المخصصة لاستيراد الغاز الروسي مباشرة، ورسخ مكانة الغاز الروسي داخل مزيج الطاقة الألماني.
ويكتسب توقيت الموافقة على إنشاء «نورد ستريم 2» أهمية خاصة، إذ جاء بعد عام واحد فقط من ضم روسيا شبه جزيرة القرم، وهي الخطوة التي أثارت انتقادات حادة من عدة دول في أوروبا الشرقية وأسهمت في تصاعد التوتر بين ألمانيا والولايات المتحدة.
ورغم ذلك، واصلت ميركل الدفاع بقوة عن المشروع، ووصفته بأنه «مشروع اقتصادي بحت»، رغم تزايد المخاوف من تداعياته الجيوسياسية الأوسع.
لكن غزو روسيا لأوكرانيا كشف نقاط الضعف في السياسة الألمانية، وأظهر عجز الاعتماد الاقتصادي المتبادل عن تحقيق السلام أو حتى احتواء الصراع. كما فرض الغزو تكاليف سياسية واقتصادية باهظة على برلين.
وشكل الغزو صدمة عميقة لألمانيا، إذ لم تتوقع القيادة السياسية الألمانية أن يقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خطوة بهذه الخطورة، بما يعني التضحية بأكبر سوق لصادرات الغاز الروسية وتعريض بلاده في الوقت ذاته لعقوبات اقتصادية واسعة.
وعلى المستوى السياسي، وجدت ألمانيا نفسها في موقف بالغ الحرج أمام حلفائها، الذين حذروا طويلًا من التعامل مع خطوط أنابيب الغاز باعتبارها مشروعات تجارية بحتة، مؤكدين أنها قد تتحول إلى أدوات للنفوذ الجيوسياسي الروسي.
وأعرب الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، الذي دافع لسنوات عن التقارب مع روسيا، عن ندمه على موقفه السابق، واعتبر دعمه لخط «نورد ستريم 2» خطأ واضحًا.
وأجبرت الحرب ألمانيا بصورة مفاجئة على إعادة صياغة عقيدتها الدفاعية وأمن الطاقة. وأعلن المستشار أولاف شولتس أمام البرلمان الألماني تحولًا جذريًا في السياسة، مستخدمًا مصطلح Zeitenwende، أي «نقطة تحول تاريخية»، وداعيًا إلى تغيير جذري في السياسة الخارجية الألمانية.
ورصد شولتس 100 مليار يورو لتحديث الجيش الألماني، وتعهد بدعم أوكرانيا، ووجّه نحو تقليص اعتماد بلاده سريعًا على الطاقة الروسية عبر إنشاء محطات لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، وتنويع مصادر الطاقة، وإعادة تشغيل محطات تعمل بالفحم بصورة مؤقتة.
وفي النهاية، لم تمنع سياسة «التغيير عبر التجارة» الألمانية تجاه روسيا اندلاع الصراع، بل خلقت اعتمادًا استراتيجيًا على الطاقة عرّض ألمانيا لمخاطر اقتصادية وأمنية كبيرة.
كما جعلت تكاليف الانفصال عن روسيا العملية شديدة الصعوبة، رغم التحول الجذري في الأولويات السياسية الألمانية. وبينما أعلن شولتس تغيير السياسة بعد ثلاثة أيام فقط من الغزو، أقر هو ووزير الاقتصاد روبرت هابيك بأن الانفصال عن الطاقة الروسية سيحتاج إلى وقت، وقد يستغرق عامين.
وحذرا من أن وقف إمدادات الغاز الروسي بصورة فورية قد يؤدي إلى توقف واسع للقطاع الصناعي واندلاع أزمة حادة في تدفئة المنازل خلال شتاء 2022.
لكن ألمانيا لم تحصل على فرصة كافية لتنفيذ عملية انفصال منظمة. فقد استخدمت روسيا نفوذها سريعًا، وقلصت تدفقات الغاز عبر «نورد ستريم 1» خلال صيف 2022 بحجة إجراء أعمال صيانة فنية، قبل أن توقف الإمدادات بالكامل.
وبعد ذلك بوقت قصير، تعرض خطا «نورد ستريم» للتخريب، وفق ما خلصت إليه تحقيقات ألمانية وتقارير صحفية لاحقة تحدثت عن «مجموعة تخريب أوكرانية مدعومة من قادة عسكريين في كييف».
وأثارت هذه التطورات المفاجئة والحادة توترات سياسية داخل الائتلاف الحاكم في ألمانيا. فقد مثلت إعادة تشغيل محطات الفحم لمعالجة نقص الطاقة تراجعًا عن الالتزامات المناخية التي قطعها شولتس لشركائه في حزب الخضر.
كما اعتُبرت التداعيات الاقتصادية المدمرة واحدة من أخطر الصدمات الاقتصادية التي تعرضت لها ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية. وشهدت البلاد موجة تضخم كبيرة، بينما خصصت الحكومة 200 مليار يورو لتوفير شبكة أمان مالية لدعم أسعار الطاقة للأسر والقطاع الصناعي وتحقيق استقرار شبكة الكهرباء.
ورغم إنشاء محطات لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، فرض ارتفاع تكلفة هذا الغاز مقارنة بالغاز الروسي أعباء اقتصادية غير متوقعة، وأسهم، إلى جانب عوامل أخرى، في دخول الاقتصاد الألماني مرحلة ركود عام 2023 وفقدان البلاد مكانتها باعتبارها محرك النمو الاقتصادي في أوروبا.
الغاز الإسرائيلي والصراع الإقليمي: مصالح مشتركة تؤجل المواجهة
وقعت مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي عام 2022 مذكرة تفاهم تقضي بزيادة إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر، على أن تُسيّل الكميات الفائضة في مصر ثم تُعاد إلى الأسواق الأوروبية.
لكن الشراكة الناشئة في مجال الطاقة تعرضت لاضطراب عميق بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، عندما اندلعت حرب شاملة بين إسرائيل وحركة حماس في غزة، ما أدى إلى تغيير جذري في المشهد السياسي الإقليمي. وانخرط حزب الله وأطراف إقليمية أخرى مدعومة من إيران في الصراع لاحقًا، ما زاد حدة التوترات في المنطقة.
ودخلت العلاقات المصرية الإسرائيلية مرحلة غير مسبوقة من الجمود السياسي والدبلوماسي، إلى حد أن مصر علقت إجراءات اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد، وظل المنصب شاغرًا قرابة عام.
وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن عرقلة دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، بينما انضمت مصر رسميًا إلى دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بشأن الإبادة الجماعية.
وعلى المستوى الأمني، سيطرت إسرائيل على محور فيلادلفيا المحاذي للحدود المصرية الفلسطينية، وهي خطوة اعتبرتها القاهرة انتهاكًا للملحق الأمني لمعاهدة السلام، الذي يحظر وجود قوات عسكرية ثقيلة في المناطق الحدودية المتاخمة على جانبي الحدود دون تنسيق مسبق.
وفي المقابل، ظهرت تقارير تحدثت عن نشر مصر فرقًا عسكرية في المنطقة «ج» بسيناء، القريبة أيضًا من الحدود، وإنشاء بنية تحتية عسكرية فيها، وهي تطورات اعتبرتها إسرائيل تهديدًا لأمنها القومي وانتهاكًا للملحق الأمني ذاته.
وشهدت الأوضاع الداخلية في مصر وإسرائيل كذلك تحولًا واضحًا. فعلى صعيد الطاقة، لم تعد مصر تتمتع بالاكتفاء الذاتي الذي يسمح لها بوجود فائض للتصدير، كما كان الحال عام 2022.
بل واجهت البلاد عجزًا متزايدًا في الطاقة المحلية نتيجة تراجع إنتاج حقل ظهر للغاز وارتفاع الطلب على الكهرباء وسط موجات حرارة أكثر شدة.
وفي الوقت نفسه، تشدد المزاج الشعبي في مصر والعالم العربي بصورة أوسع، وتصاعدت الدعوات إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل وفرض المقاطعة عليها.
أما في إسرائيل، فاكتسبت محاولات استخدام ملف الغاز لأغراض سياسية زخمًا متزايدًا. وأرجأ وزير الطاقة الإسرائيلي في البداية الموافقة على الاتفاق بحجة التفاوض بشأن الأسعار.
لكن التأخير الطويل بدأ يُفسر باعتباره وسيلة للضغط السياسي، خصوصًا بعدما هدد نتنياهو لاحقًا بوقف الاتفاق بالكامل بسبب ما اعتبره انتهاكًا مصريًا للحدود وإخلالًا بمعاهدة السلام.
كما دعا عدد من الأصوات الإسرائيلية البارزة، من بينهم مسؤولون في وزارة المالية الإسرائيلية، إلى زيادة الاحتياطيات الاستراتيجية المحلية من الغاز وتقليص حصص التصدير، معتبرين الاحتفاظ بالغاز ضرورة تتعلق بالأمن القومي.
وبالتالي، لم يعد اتفاق زيادة إمدادات الغاز الإسرائيلي مجرد اتفاق تجاري. فمصر تستفيد من موقعها مركزًا إقليميًا لتسييل غاز شرق المتوسط وتصديره، بينما تستفيد إسرائيل من الوصول إلى السوق المصرية ومنشآت تسييل الغاز فيها.
وتستفيد أوروبا بدورها من تأمين مصادر الغاز وتنويعها، بينما تستفيد الشركات الدولية من حماية استثماراتها في حقول الغاز والبنية التحتية المرتبطة بها.
وأصبح الاتفاق، نتيجة لذلك، ترتيبًا ضروريًا للمساعدة في احتواء الصراع الإقليمي ومنع تصعيده، فضلًا عن حماية المصالح الاقتصادية القائمة من الانهيار.
ورغم استمرار التوترات السياسية والدبلوماسية بين مصر وإسرائيل وتغير المعادلات الأمنية على الحدود المشتركة، استمرت قنوات التنسيق الأمني والاستخباراتي.
وظهر ذلك بوضوح في المفاوضات المتعلقة بغزة، وكذلك في الجهود الرامية إلى إدارة التوتر على الحدود ومنع تحول الصراع إلى مواجهة مباشرة بين الدولتين.
وينسجم هذا الوضع مع إطار معروف في العلاقات الدولية باسم «التجزئة» أو Compartmentalization، ويقصد به فصل الدول بين الملفات أو الأبعاد المختلفة للعلاقات الثنائية، بما يسمح باستمرار التعاون في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح، رغم الخلاف أو الصراع في مجالات أخرى.
وفي هذا السياق، جرى التصديق رسميًا على اتفاق الغاز. وقدم نتنياهو الاتفاق باعتباره وسيلة لدعم خفض التصعيد الإقليمي وتعزيز الموقع الاستراتيجي لإسرائيل، بينما وصفته القاهرة بأنه ترتيب تجاري لا يحمل تداعيات على سياستها الخارجية الأوسع.
لكن التصديق عكس عمليًا عملية «توافق متبادل»، إذ اختار الطرفان احتواء خلافاتهما وإعطاء الأولوية للمنفعة الاقتصادية والاعتماد المتبادل العملي بدلًا من دفع المواجهة السياسية إلى مستويات أعلى.
وبالنسبة إلى إسرائيل، عنى ذلك التخلي عن استخدام إمدادات الطاقة مصدرًا محتملًا للضغط على مصر، خصوصًا فيما يتعلق بإعادة الترتيبات السابقة التي تحكم محور فيلادلفيا والوضع الأمني الأوسع على الحدود المصرية مع غزة.
كما قلل الاتفاق من إمكانية استخدام سياسة الطاقة في النزاعات المتعلقة بالدور المحتمل لمصر في تسهيل تهجير الفلسطينيين من غزة.
واختارت إسرائيل بدلًا من ذلك قبول الاتفاق باعتباره وسيلة للحفاظ على قنوات الاتصال الحيوية، وخفض مخاطر التصعيد الأمني والحوادث الحدودية، وتقليل احتمالات تعرضها لمزيد من العزلة السياسية والدبلوماسية، في الوقت الذي تواصل فيه خوض حرب متعددة الجبهات.
أما مصر، فعكس الاتفاق قرارًا بعدم استغلال موقعها باعتبارها مركزًا إقليميًا لعبور الطاقة للحصول على تنازلات سياسية من إسرائيل بشأن غزة. وواصلت القاهرة بدلًا من ذلك استراتيجية «التجزئة»، فعزلت التعاون الاقتصادي عن حالة الجمود السياسي والدبلوماسي الأوسع.
واستفادت هذه الترتيبات الاستراتيجية أيضًا من الدعم غير المباشر لأطراف خارجية، وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي، الذي تتركز أولوياته على أمن الطاقة والاستقرار في جنوب البحر المتوسط.
ويرتبط اهتمام الاتحاد الأوروبي باستقرار مصر السياسي والاقتصادي بدورها في أسواق الطاقة الإقليمية، فضلًا عن أهميتها في جهود أوروبا لإدارة الهجرة غير النظامية والحفاظ على الاستقرار في جنوب البحر المتوسط.
وفي ظل هذا السياق، خلق ارتفاع الطلب المحلي المصري على الغاز الطبيعي اعتمادًا بالغ الأهمية على الإمدادات الإسرائيلية، التي توفر حاليًا نحو 15 إلى 20 في المئة من الاستهلاك اليومي لمصر.
وسيكون تعويض هذه النسبة خلال فترة قصيرة أمرًا صعبًا، رغم تحركات القاهرة الطارئة لتأمين المزيد من واردات الغاز الطبيعي المسال عبر استئجار وحدات عائمة لتخزين الغاز وإعادته إلى حالته الغازية.
ويرجع ذلك إلى أن التكلفة المالية لهذا البديل أعلى بكثير وأصعب في الاستدامة مقارنة بالأسعار التنافسية للغاز الذي يصل عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل.
ومن ثم، يمتلك الاتحاد الأوروبي مصلحة قوية في الحفاظ على تدفق الغاز بصورة منتظمة على المدى القصير، مع التركيز في الوقت ذاته على احتمال استعادة مصر دورها وتوسيعه على المدى الطويل باعتبارها مركزًا إقليميًا لتسييل الغاز الطبيعي وإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية.
ويستند هذا الاحتمال إلى احتياطيات مصر الكبيرة المؤكدة من الغاز، وبنيتها التحتية القائمة للغاز الطبيعي المسال، واستمرار عمليات التنقيب والإنتاج، فضلًا عن التوسع المتوقع في الطاقة الإنتاجية لحقول الغاز الإسرائيلية.
ودخلت مصالح شركات الطاقة العالمية في هذه المعادلة أيضًا، وعلى رأسها مصالح شركة «شيفرون» الأمريكية. وتدير الشركة حقل ليفياثان الإسرائيلي للغاز، كما تمتلك مصالح في أنشطة التنقيب عن الغاز وإنتاجه في أنحاء المنطقة.
ويجعل ذلك استمرار تدفق الغاز وتوسيع البنية التحتية المرتبطة به أمرًا مهمًا بصورة مباشرة للشركة. ويمكن النظر إلى جهودها لدعم توسيع البنية التحتية ومشروعات نقل الغاز باعتبارها محاولة لحماية مصالحها التجارية.
لكن من الضروري التمييز بين الدور التجاري للشركة وأي ضغوط سياسية أمريكية مرتبطة بالاتفاق.
وتقاطعت المصالح التجارية للشركة كذلك مع اهتمام الإدارة الأمريكية بالحفاظ على تدفقات الغاز وزيادة الإنتاج في حقل ليفياثان. وظهر ذلك في الضغوط الأمريكية لدفع الاتفاق إلى الأمام رغم تأخر الموافقة عليه، بما في ذلك قرار وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إلغاء زيارة كانت مقررة إلى إسرائيل احتجاجًا على التأخير.
ويكشف ذلك عن اتساع شبكة المصالح المحيطة بالاتفاق إلى ما يتجاوز مصر وإسرائيل. فلم يعد الاتفاق شأنًا ثنائيًا بين البلدين، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بمصالح الشركات الأمريكية وبأولويات الطاقة الأمريكية والأوروبية الأوسع.
وسعت شيفرون كذلك إلى طمأنة القاهرة بشأن استمرار إمدادات الغاز وعدم استخدامه أداة سياسية. وأكدت الشركة الطابع التجاري البحت للاتفاق، وسلطت الضوء على المخاطر القانونية والمالية التي قد تترتب على أي وقف تعسفي أو غير فني للإمدادات.
وكان من الممكن أن يؤدي أي تعطيل من هذا النوع إلى احتكاك دبلوماسي بين إسرائيل والولايات المتحدة، خصوصًا في ظل الدعم النشط الذي تقدمه واشنطن للاتفاق.
وكان تعليق صادرات الغاز لأسباب سياسية سيعرض مصالح شركة أمريكية كبرى للخطر، وقد يضعف موقع شيفرون في السوق الإقليمية ويفتح المجال أمام شركات طاقة منافسة وقوى خارجية لتوسيع حضورها في شرق البحر المتوسط.
وفي الوقت ذاته، وفر التزام شيفرون بتوسيع البنية التحتية للطاقة الإسرائيلية حافزًا إضافيًا لتل أبيب للحفاظ على الاتفاق.
ووافقت الشركة على المشاركة في إنشاء خط أنابيب بري جديد عبر معبر العوجة، ومن المتوقع إنجازه بحلول عام 2028، كما وافقت على زيادة الإنفاق الرأسمالي لرفع الطاقة الإنتاجية لحقل ليفياثان.
وساعدت هذه الاستثمارات أيضًا في معالجة المخاوف داخل إسرائيل من أن تؤدي زيادة صادرات الغاز إلى مصر إلى استنزاف الاحتياطيات الوطنية على حساب الأجيال المقبلة، وهو ما وفر قدرًا من الطمأنة للمنتقدين الإسرائيليين للاتفاق.
ويشبه الدور الذي لعبته شيفرون ورئيسها التنفيذي مايك ويرث في دعم الاتفاق وطمأنة الأطراف، مع التعامل مع أوراق الضغط التي يمتلكها كل طرف والحفاظ على المصالح التجارية للشركة، الدور الذي لعبته جهات اقتصادية وشركات طاقة في العلاقات الروسية الألمانية.
وفي الحالتين، تجاوز المديرون التنفيذيون في شركات الطاقة والتكتلات الكبرى الحدود التقليدية للمعاملات التجارية، وانخرطوا بصورة نشطة في الاعتبارات السياسية والأمنية الوطنية.
ويستحضر هذا الوضع أيضًا دور رجل الأعمال الروسي رومان أبراموفيتش، الذي استعانت به أوكرانيا، وفق تقارير، في المراحل الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية لإنشاء قنوات اتصال مباشرة بين موسكو وكييف، وشارك بصورة نشطة في المفاوضات الأولية.
السلام المؤجل: ماذا تكشف تجربة مصر وإسرائيل؟
تقدم تجربة الاعتماد المتبادل في مجال الطاقة بين ألمانيا وروسيا أدلة مهمة على إنجازات استراتيجية «التغيير عبر التجارة» وحدودها في الوقت نفسه.
فعلى مدار عقود، ساهمت هذه السياسة في تطبيع العلاقات الثنائية، وأقامت علاقة لم تصل إلى مستوى التحالف الرسمي، لكنها ظلت إلى حد كبير غير عدائية، وحققت فوائد اقتصادية كبيرة للطرفين.
لكن التجربة ذاتها كشفت الحدود الأساسية للاعتماد الاقتصادي المتبادل باعتباره أداة لتحقيق السلام. فعلى الرغم من تعميق الروابط التجارية والاعتماد الاقتصادي المتبادل، لم تنجح الاستراتيجية في إحداث تحول دائم في التصورات الاستراتيجية الأساسية أو توجهات السياسة الخارجية لدى أي من الدولتين، خصوصًا فيما يتعلق بالصراع.
وأدى قرار ألمانيا تأجيل المواجهة مع روسيا رغم تصاعد التوترات بشأن القرم، وإعطاء الأولوية للحفاظ على الروابط التجارية وتوسيعها، في نهاية المطاف إلى تكاليف سياسية واقتصادية وأمنية عميقة.
وعند تطبيق المنظور التحليلي ذاته على اتفاق الغاز المصري الإسرائيلي، يتضح أن الاتفاق قد يسهم في خفض التوترات مؤقتًا، ويوفر للطرفين حوافز للحفاظ على قنوات التعاون، لكنه لا يستطيع، في ظل الصراع الإقليمي المستمر، أن يشكل إطارًا مستدامًا للتعاون الاقتصادي الثنائي أو طريقًا إلى سلام دائم.
وما لم تُعالج الأسباب الأساسية للصراع وتظهر حلول سياسية ذات معنى، ستظل الروابط الاقتصادية عرضة للتقلبات السياسية والأمنية.
ومن المهم الإشارة إلى أن شبكة المصالح المعقدة التي تدعم اتفاق الغاز المصري الإسرائيلي شكلت حافزًا رئيسيًا لإتمامه، ولعبت دورًا مهمًا في تهدئة صراع إقليمي كان يتجه نحو التصعيد.
لكن السؤال يبقى: بأي تكلفة؟
فقد خُصصت رؤوس أموال إضافية وأُنشئت بنية تحتية جديدة لخدمة الاتفاق، بينما جرى مرة أخرى إبعاد نقاط الاحتكاك الأساسية في الصراع الأوسع وتأجيل التعامل معها إلى مستقبل غير واضح.
ويشبه هذا الوضع بصورة لافتة قرار ألمانيا المضي قدمًا في مشروع «نورد ستريم 2» رغم تصاعد المواجهة مع روسيا بشأن أوكرانيا، وهي مقامرة ثبت لاحقًا ارتفاع تكلفتها بصورة هائلة.
ومن المهم كذلك إدراك أن شبكة المصالح المحيطة بالعلاقة المصرية الإسرائيلية في مجال الغاز أكثر تعقيدًا بكثير من النموذج الألماني الروسي، بسبب المشاركة الكبيرة للشركات الأمريكية والأوروبية في حقول الغاز والبنية التحتية المرتبطة بها.
وقد تؤدي هذه الشبكة الواسعة من الاعتماد المتبادل بدورها إلى جعل أي انفصال مستقبلي أكثر تكلفة بكثير، إذا جعلت الظروف ذلك الانفصال ضروريًا في نهاية المطاف.
وبالعودة إلى الفرضية الأساسية لنظرية «التغيير عبر التجارة»، ينبغي إدراك أن أنصارها لم ينظروا قط إلى الاعتماد التجاري المتبادل باعتباره حلًا سحريًا قادرًا بمفرده على إحداث تغيير سياسي أو تحقيق سلام مستدام.
بل إن التجربة الألمانية اختزلت الاستراتيجية إلى ما يشبه القشرة الفارغة، بينما يبدو أن التجربة المصرية تعيد إنتاج النموذج ذاته بصورة كبيرة.
وتقوم الفرضية النظرية الأساسية بدلًا من ذلك على أن الاعتماد التجاري المتبادل لا يستطيع العمل محفزًا للسلام إلا عندما يندمج داخل إطار أوسع يقوم على الديمقراطية والقانون الدولي والدستورية والعدالة الحقيقية.
وكما رأى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط في كتابه «نحو السلام الدائم»، وهي أطروحة طورها لاحقًا عدد كبير من الباحثين، فإن التجارة وحدها، في غياب نظام سياسي وقانوني عادل، لا تستطيع إنتاج السلام؛ بل يمكنها أن تتحول هي نفسها إلى أداة للحرب والاستعمار.
وتقدم تجربة اتفاقات أبراهام، التي رعتها الولايات المتحدة وقامت بصورة أساسية على ربط الأطراف المشاركة بمصالح اقتصادية متبادلة، مع ترك الجوانب السياسية الأساسية للصراع دون معالجة كافية، مثالًا واضحًا على هذه المعضلة.
فقد وصلت الاتفاقات عمليًا إلى حالة من الجمود بعد السابع من أكتوبر، وهو ما يبرز حدود التطبيع الاقتصادي عندما ينفصل عن حل سياسي حقيقي للصراع.
وبالتالي، قد تساعد تجارة الغاز بين مصر وإسرائيل على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ورفع تكلفة المواجهة المباشرة، وخلق حوافز متبادلة لتجنب التصعيد. لكنها لا تستطيع بمفردها إزالة الأسباب السياسية والأمنية للصراع.
وقد تمنح المصالح الاقتصادية المشتركة القاهرة وتل أبيب مساحة لتأجيل المواجهة، لكنها لا تضمن تحويل هذا التأجيل إلى سلام مستدام. وإذا ظلت جذور الصراع دون معالجة، فقد يتحول الاعتماد المتبادل الذي يُنظر إليه اليوم باعتباره أداة لاحتواء التوتر إلى مصدر جديد للمخاطر عندما تتغير الحسابات السياسية أو الأمنية.
https://carnegieendowment.org/sada/2026/08/gas-and-peace-can-energy-trade-contain-egypt-israel-conflict

